الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
488
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مجرى الحياة ، وتطهيرها من عراقيلهم ، لأنه لم يبق لهم حق الحياة في نظام الحق ، ولهذا يستوجب اقتلاع هذه الأشواك من طريق تكامل البشر . وبين المفسرين اختلاف في قصد الآية من عبارة بابا ذا عذاب شديد . فالكثيرون يرون أنه الموت ، ثم العذاب وعقاب يوم القيامة . وآخرون يرونه القحط الشديد الذي واجه المشركين سنين عديدة بدعاء من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فأصبحوا لا يجدون ما يأكلون ، حتى تناولوا ما تشمئز منه الأنفس . وغيرهم يرونه العقاب الأليم الذي نزل على المشركين بضربات سيوف جند الإسلام في معركة بدر . وهناك احتمال أن الآية لا تختص بفئة معينة ، بل هي استعراض لقانون شامل عام للعقوبات الإلهية ، يبدأ من الرحمة ، فالتنبيه والعقاب التربوي ، وينتهي بعذاب الاقتلاع من الجذور والدمار ( 1 ) . ثم تناول القرآن المجيد القضية من باب آخر ، فعدد النعم الإلهية لدفع الناس إلى الشكر وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون والتأكيد على ( الاذن والعين والعقل ) لأنها الأجهزة التي بها يتعرف الإنسان على المحسوسات والقضايا ، فالأشياء الحسية يبلغها بالعين والاذن ، والقضايا غير الحسية يدركها بالعقل . ومعرفة أهمية حاستي النظر والسمع يكفي لتصور حالة الإنسان الذي يفقدهما ، إذ تظلم الدنيا بعينه . وبفقدان هاتين الحاستين بالولادة تفقد حواس أخرى عملها . فالأصم بالولادة يكون بالبداهة أبكم ، فانطلاق اللسان مرتبط بسمع الإنسان وبفقدهما يفقد الإنسان وسيلة ارتباطه مع الآخرين . وبعد هاتين الحاستين اللتين هما مفتاح الإدراك لعالم المادة ، يأتي العقل
--> 1 - الآية إن الذين لا يؤمنون بالآخرة التي ذكرت قبل هذه الآيات تؤيد هذا التفسير .